السويد وأحلام لاتتحقق


بقلم : حازم حريري

إعلامي ـ معد برامج تلفزيونية وإذاعية ـ مدرب تنمية بشرية

حازم حريري

 

السويد وأحلام لا تتحقق 1

دعني أخبرك بصراحة أن ما ستقرؤه في هذه السطور سيكون صادما لك , وربما تنعت صاحبه بالمتشائم أو الأناني الذي لايريد الخير لأحد , وأيا تكن الشتائم التي ستصف بها كاتب السطور فهو في النهاية لن يغير من واقع الحال شيئ .

الواقع ياسادة أن السويد التي هي في نظر الكثيرين من (المعترين ) في عالمنا العربي وخصوصا السوريين الذين يبيعون الغالي والنفيس بل ويقترضون الأموال ويخاطرون بأرواحهم ويسلمون أنفسهم لشبح الموت في بحر تتلاطم أمواجه من أجل أن يصلوا إلى الجنة الموعودة أو أرض الأحلام حيث المال والأمان والراحة !!

هذا في نظر البسطاء والمعوزين وممن ضاقت بهم الأرض بما رحبت جراء حرب ودمار وانعدام لأبسط مقومات الحياة في بلدهم الأم حيث بات العيش والتأقلم مع سنوات الحرب والقصف والدماء والأشلاء مشهدا يوميا مألوفا لكنه لم يغير من معاش الناس سوى التقلب في شظف العيش بحثا عن حياة في أبسط صورها وهو ما افتقده السوري البسيط لذا قرر وهو يسمع بأصدقائه وأقرب المقربين إليه وهم يخوضون عباب البحر بغية الوصول إلى السويد (الوجهة الأولى المفضلة للسوريين تحديدا )..

لكنه بمجرد أن يحط رحاله بعد رحلة سفر تعرض فيه للموت مرات ومرات وبعد أن قاسى الأمرين وأفرغ جيوبه للمهربين الجشعين الذين يلبسون ثياب الإنسانية وهي منهم براء .. أقول بمجرد أن يصل هذا المسكين حتى تبدأ رحلة المعاناة التي تبدأ من فترة تقدمه بطلبه إلى مصلحة الهجرة (migrationsverket) والتي تتولى البت في طلب المتقدم للجوء وفرزه إلى المكان الذي سيسكن فيه بصورة مؤقتة حتى إصدار قرار الإقامة , وغالبا مايتم توزيع طالبي اللجوء في تجمعات سكانية صغيرة وبعيدة عن المدن الكبرى , وفي معظم الأحيان يتم توزيع الشباب والعزاب والقادمين فرادى بدون عوائلهم إلى فنادق صغيرة وبعيدة عن المدن ,وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية إذ يتطلب الأمر الكثير من الصبر حتى يتم تحديد زمان ومكان المقابلة التي على إثرها يتم منح أغلب المتقدمين من السوريين حق الإقامة الدائمة , وهو الأمر الذي يصيب الكثيرين بالإحباط والتململ مع انعدام أي مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية في تلك التجمعات وهو الأمر الذي لم يعتده العرب والسوريين تحديدا وهم المفعمون بالحياة والسهر وصخب الزيارات الأسرية والنزهات , وهو ما يفتقده اللاجئ خصوصا في أجواء مناخية غاية في القسوة والتي تمتد لأشهر !!

بعد صبر قد يطول قرابة السنة يحصل على القرار المنتظر لتبدأ معاناة من نوع آخر تتمثل بلم شمل أسرته إن كان من أرباب الأسر , وهو ما يتطلب إجراءات روتينية طويلة ومزعجة على النمط السويدي المعروف ببروده الشديد في التعاطي مع القرارات الحكومية .

وهو في هذا الخضم المتلاحق يبقى السكن وتوفير الشقة له ولعائلته همه الأول وشغله الشاغل في بلد رغم اتساعه الجغرافي إلا أن ثمة أزمة سكن حقيقية وضاغطة تؤرق كل الوافدين الجدد للسويد , وبات الحصول على شقة بعقد رسمي (första hand) أمرا دونه خرط القتاد , ولابد فيه من التضحية بالكثير من المال لدفعها إلى السماسرة والباحثين عن الربح الفاحش والسريع لتأمين شقة بعقد رسمي قصير المدى (andra hand) أو السكن بالأسود (التأجير من الباطن ) وهو أمر مخالف للقانون لكنه الأكثر شيوعا في أوساط القادمين الجدد.

هل انتهت المعاناة ؟

قل إنها بدأت الآن ,, فبعد حصولك على السكن المناسب ينبغي أن تلتحق ببرنامج اللغة وتعلمها وهو الأمر سيتطلب منك جهدا مضاعفا خصوصا لكبار السن الذين سيعودون طلابا يحلون الواجبات ويحضرون الوظائف التي تطلب منهم , وخلال تلك الفترة التي ربما تمتد لسنوات يعطى اللاجئ مساعدة من الدولة تعينه على تسديد المصاريف من سكن ومعاش وتسديد فواتير لاتنتهي !!

 

السويد وأحلام لا تتحقق 2

السويد بلد الأحلام أو أرض الإلدرادو (مدينة الذهب ) لمن تابع منكم كرتون الأطفال النسر الذهبي أيام الثمانينيات

هكذا تبدو الصورة في ذهن الوافد الجديد ,أو هكذا تم توصيف المشهد له من قبل أقرانه الذين سبقوه بالقدوم ,وراحوا يقارنون مقارنات متعبة ومرهقة ,لكنها مستعجلة بين ما كانوا عليه في بلدانهم وخصوصا أولئك الهاربين من جحيم الحروب ورائحة البارود والموت , وبين ما هم عليه الآن بعد أن وصلوا للسويد فاستقبلتهم موظفة الهجرة الشقراء بابتسامة طبيعية غير متكلفة , وتم نقلهم لمساكن مريحة إلى حد ما وتم تأمين الطعام والشراب والدواء بانتظار البت في طلب لجوئهم ..

إلى هنا يبدو المشهد حالما , بل وقفزة نوعية تكاد لاتستوعبها عقولهم وأبدانهم المشحونة بكثير من القهر والظلم والاضطهاد في بلدانهم التي فروا منها بحثا عن الأمن والأمان والراتب المضمون ..

لكن الصورة تبدو منقوصة بل مجتزئة وظالمة في أغلب الأحيان ,لأن المعاناة التي ستواجه الوافد الجديد ربما ستجعله يغير رأيه يوما بعد آخر .. وعلى أية حال فحتى لا أبدو متشائما سوداوية النظرة لابد من التذكير هنا بأن ثمة إيجابيات كثيرة لا ينكرها إلا جاحد أو مكابر ولعلنا نفرد لها مقالات قادمة بحول الله ..

كنت قد توقفت بكم في المقال الأول عند حصول طالب اللجوء على قرار الإقامة الدائمة والذي بموجبه يحق له العمل والإقامة والسكن والتمتع بالنظام الاجتماعي والإنساني الذي توفره دولة السويد لمواطنيها والمقيمين فيها دون تمييز أو تخصيص , وهنا تبدأ مرحلة ثانية من المعاناة تتمثل في البحث عن السكن المناسب حتى يتمكن من الانخراط في الحياة السويدية وتعلم اللغة السويدية ,,

الحصول على شقة مناسبة بات أمرا صعبا خصوصا في المدن الكبرى كاستوكهولم أو يتبوري أو مالمو أو اوربرو أو أوبسالا , وحتى تحصل على شقة في هذه المدن عليك أن تدفع مبالغ كبيرة سمسرة أو خلو لصاحب الشقة ـ وهو أمر مخالف للقانون ــ لكنه واقع الحال الذي يلجئ الكثيرين لدفع المعلوم حتى يحصل على سكن ثم يتجه لمكتب العمل وهو الجهة الوسيطة بين أرباب العمل والعمال ليسجل نفسه كطالب للعمل , ثم لا بد له أن يلتحق بمدارس تعلم اللغة السويدية المعير عنها ب (sfi) , والتي تلزم جميع الوافدين بضرورة الالتحاق بمدارسها المنتشرة في أغلب المدن والتجمعات السكانية حتى يحصل الطالب في مقابل ذلك على دعم مالي يكفيه لسد احتياجاته اليومية وتسديده للالتزامات والأعباء المالية الكثيرة هنا في السويد , علما أن السويد يعد من الدول الأكثر غلاء في العالم خصوصا في أسعار المشتقات النفطية وإيجارات الشقق السكنية ..

حتى يتقن اللغة السويدية أو قل حتى يجتاز محو الأمية السويدية عليه أن يحصل على شهادة بالمستوى D تؤهله للدخول إلى مستوى أعلى من التعليم يسمى تعليم الكبار أو ما يطلق عليه اختصارا ب (komvux) لمن رغب في إكمال دراسته الجامعية وهنا يلزمه أخذ قرض من مؤسسة تعليمية تسمى (csn) ليتمكن من الدراسة الجامعية وعليه بعد ذلك أن يعيد القرض بعد أن تترتب عليه فوائد مرهقة يستمر في دفعها لسنوات ..

أما إن قرر أن يكتفي بالحصول على شهادة ال ( sfi) فعليه أن ينخرط في البرامج التي يحددها مكتب العمل والتي تعين القادمين الجدد على تهيئة أنفسهم بل وتدريبهم وتعليمهم للحصول على فرصة عمل تتناسب وشهاداتهم ومهاراتهم التي يحسنونها ..

وهنا تبدأ رحلة المعاناة النفسية حيث أن سوق العمل السويدي لا يتقبل الوافدين الجدد بالسهولة التي يتوقعها البعض , بل إن الكثيرين من حملة الشهادات العليا يضطرون للعمل في مهن ووظائف لاتتناسب وما يحملونه من شهادات ومؤهلات , ومن الطبيعي أن ترى حملة الماجستير والدكتوراة يعملون ــ إن وجدوا ـ في مهن كالتنظيف وتوصيل طلبات المطاعم أو في أحسن الأحوال في محلات البقالة وسائقي الباصات أو سيارات الأجرة ..

أما العمل بالشهادات العلمية التي حصل عليها من بلده الأصلي ويمتلك في ذلك خبرات طويلة ومتراكمة فهي لا تعني لسوق العمل السويدي شيئا .. الأمر الذي تيطلب تأهيلا جديدا وشهادات يحصل عليها من المؤسسات التعليمية السويدية حتى تزداد فرصه في الحصول على عمل ..

كل ذلك يتطلب صبرا وجلدا واجتهادا ربما لا يتوفر للكثيرين فيصاب بالاحباط في بلد لا تظهر فيه الشمس إلا لماما مما ينعكس على نفسية القادمين من بلدان تلسع فيها أشعة الشمس بشراتهم طوال العام ..

على من يرغب في القدوم إلى السويد خصوصا ودول أوربا بشكل عام أن يوطن نفسه عمليا على نسيان أو تجاهل كل شهاداته وخبراته السابقة وأن يبدأ من الصفر , وهو أمر ربما يفهم ويتقبل نظريا , أما عمليا فالأمر يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وطول نفس لايتوفر لكثير من الوافدين الجدد ,,,,

 

منقول للفائدة 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s