لماذا يكرهون المهاجرين؟


د. محمود الدبعي
5-3-2015

محمود الدبعي

الهجرة الى السويد ساهمت في اربعة اشياء اراقت بها السويد الى استحقاق لقب دولة الرفاهية الأولى، وهي الكفاءة، العلاقات الإجتماعية، دخول رأس المال والنوعية العاملة. هذه الحقائق غابت عن البيت السويدي و عن المدرسة و عن احاديث الناس و حلت محلها قصص مخيفة عن هجرة القتلة و اللصوص و المهربين و المتسولين و الطامعين في المال السويدي و اصحاب الهجرة السياحية و غيرها من القصص التي تولد عند تلاميذ المدارس كراهية للمهاجرين.

لقد تصفحت الكتب المدرسية السويدية ولم اجد فيها فصول عن دور المهاجرين في دعم العجلة الإقتصادية و هناك قصور في المعرفة لدى عموم المجتمع وخاصة جيل الأبناء.

في الواقع فقط الخبراء في هذا المجال يتابعون مناشط المهاجرين الذين ساهموا ببناء السويد . ولكن تبقى تقاريرهم محبوسة في ادراج المكاتب وعلى رفوف المكتبات و لا تصل للمواطنين الذين يستقون معلوماتهم من خلال تقارير مغلوطة تنشرها مجاميع يمينية متطرفة تنشر ثقافة الكراهية للمهاجرين.

كثيرا من المؤسسات السويدية المعروفة اليوم وذات العلامة المميزة، لم تكن لتظهر الى الوجود لولا ان مؤسسي هذه الشركات هاجروا الى السويد. ووراء مجيئهم الى هذا البلد اسباب وخلفيات كثيرة دفعتهم الى الهجرة و لكنهم لم يعتاشوا على الضمان الإجتماعي و لا على صناديق البطالة.

لا ندري عن سبب عدم ذكر المهاجرين الناجحين في المناهج المدرسية و ما يقدمونه للعجلة الإقتصادية و لنظام الرفاهية التي تعيشها السويد.. انه قصور في المعرفة لدى عموم المجتمع.

لا توجد عنهم صورة شاملة ابدا، وهذا في جميع مجالات الحياة الإقتصادية و الثقافية والأدبية والاجتماعية. في جميع الاوقات يوجد مهاجرون، والكثير من المنتجات السويدية وانواع البضائع المعروفة مؤسسوها مهاجرون.

احد الاسباب ان اصحاب القرار السياسي لا ينظرون بواقعية بأن السويد بلد هجرة و اكثر من 25% من مواطنيها من اصول اجنبية.

السويد ليست بلد متجانس الأعراق ، بل لدينا تعددية ثقافية و دينية و لا مفر من الإعتراف بها. قبل خمسينات القرن الماضي كان عدد المهاجرين قليل. ولكن جاء الى السويد الاف العمال الأجانب الذين مارسوا اعمال لم يستطع السويديون القيام بها، و بعضهم عملوا اشياء كبيرة واسسوا شركات اشتغلوا بها سويديون. على الدوام ظلت السويد تستقبل مهاجرين اليها ولكن ايضاً شهدت هجرة معاكسة كبيرة منها، فقد ترك مليون وثلاثمائة الف سويدي بلادهم الفقيرة، خلال القرن التاسع عشر بحثا عن امكانات معيشية افضل، وقد اختارو في المقام الاول، الولايات المتحدة الامريكية. هذه الحقائق يجب ان تصل للتلاميذ في المدارس و كما استقبل العالم فقراء السويد و فتح ذراعيه لهم ، يجب ان يفتح المواطنون قلوبهم للمهاجرين هذه الأيام ، فالحياة تكافل و تضامن و مشاركة. وعندما ينظر المرء الى الهجرة للسويد من منظار تاريخي يجد بأن كثيراً من التجار الالمان هاجروا الى السويد واستوطنوا فيها خلال القرون الوسطى والفالونر الذين جاؤا خلال القرن السابع عشر ومعهم المعارف حول شق الجبال ومد سكك الحديد و هاتان المجموعتان معروفتان من خلال كتب التاريخ ، لكنها اختفت من الكتب المدرسية.

وفي القرن التاسع عشر جاءت اعداد كبيرة من الناس، وخلال القرن التاسع عشر جاء مهاجرون من قوميات اخرى دانماركيون، فلنديون نرويجيون، المان وفرنسيون وفي مجالات مختلفة. وكان ينظر لهم بطريقة اخرى. ولكن هل واجه اولئك المهاجرون نوعا من التمييز الذي يواجه منه المهاجرون اليوم؟ قديما كانت العرقلة الأساسية التي كانت موجودة تكمن في مسعى الاحتكار الديني للكنسية السويدية، حيث تم مقاومة الكالفينير والكاثوليك واليهود. نعم من جاء الى السويد واجه بنوع من معاداة الاجانب من قبل الكنيسة، ولكن المهاجرين ذووي الكفاءات استطاعوا ان يأخذوا فرصتهم بادارة اعمال قام بتطويرها بجهودهم الذاتية. كان غالبية المهاجرين الى السويد قد قدموا من بلدان الشمال الاوروبي، المان سكوتلنديون، بولنديون ومن البلقان، الى جانب مواطنين من دول سسكندنافيا الاخرى. هؤلاء غالبا ما قاموا بتأسيس شركات لهم في مدن السويد المختلفة.

و الحقيقة التي يجب ان تصل للتلاميذ السويديين في المدارس ان جزء اكبر من المولودين خارج السويد يقومون بادارة الشركات السويدية ، وهم اكثر من المولودين سويدياً. تأسيس شركة مسألة ظلت تحضى، من منظار تاريخي، باهمية كبيرة بالنسبة للقادمين من بلدان اخرى، الذين لاينتمون لشبكة العلاقات الإجتماعية و الأسرية القديمة.

و لا نقرا في كتب التاريخ على سبيل المثال ان هناك مهاجرين عرب نجحوا في تأسيس شركات اصبح لها اسم وماركة مسجلة سويدية، مثل المصري رفعت السيد، الذي امتلك شركة لصنع البنسلين وعماد البيومي وهو مصري ايضا صاحب شركة Pyramidbagariet معجنات الاهرام لصناعة الخبز في دالرنا، وكذلك اللبناني اياد الصفار صاحب محلات Ur & Pen، هذا بالاضافة الى ان اعدادا كبيرة من المهاجرين الأتراك و العراقيين و السوريين الذين قدموا الى السويد في السنوات الاخيرة اخذوا يعملون في مهن ذات كفاءة علمية في الطب والهندسة وغيرهما ومنهم العديد اسس شركات سويدية.

و الحقيقة ان عددا كبير جدا من المهاجرين الذين جاؤا الى السويد في العقود الاخيرة بداؤا العمل في مجالات كثيرة. فكل رابع طبيب يعمل في السويد مولود خارج البلاد، وهنالك اعداد كبيرة من المهاجرين يعملون في الرعاية الصحية والطبابة ورعاية المسنين و المعاقين.

تحاول المجاميع اليمينية المتطرفة التي تنشر الكراهية في المجتمع ان تحمل فشل عملية الاندماج في المجتمع الى المهاجرين انفسهم ، بانهم يعتاشون على صناديق البطالة و الضمان الإجتماعي، بالرغم من النشاط الواسع الذي يمارسه المهاجرون في المشاركة في المجتمع السويدي والمساهمة في بنائه اقتصاديا و ثقافيا و تعليميا.

نعم يوجد ثمة اشكالية في مسألة الاندماج في المجتمع فهذا يعود الى فشل سياسة الاندماج . واذا ما فكر المرء باخراج جميع المهاجرين من البلاد، كما تطالب هذه المجاميع اليمينية المتطرفة، فهذا يعني انهيار السويد اقتصاديا. وفي المستقبل تكون الحاجة الى اناس من بلدان اخرى اكبر. لذلك على السياسيين ان يعطوا المهاجرين حقهم الإعلامي ، و ان تدرس اعمالهم في المدارس السويدية ، حتى يتشربها التلاميذ و يقع احترام الآخر في صدورهم. هذا هو الإندماج الحقيقي الذي يعطي التعددية الثقافية حقها و تتراجع الأفكار المتطرفة.

د. محمود الدبعي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s